عنوان المحاضرة: كيف ندعم نمو الاقتصاد النرويجي في ظل انخفاض أسعار النفط؟

IMG_7139

وظيفتي كوزيرة للمالية تهدف للتوازن بين متطلبات السياسة المالية والمتطلبات السياسية للدولة، منذ انتخابي في البرلمان النرويجي قبل حوالي ٢٠ عاماً وأنا مؤمنة بأن السياسة الاقتصادية العامة ستكون أكثر فعالية لو تم تحويل سياسات استهداف التضخم من وزارة المالية إلى البنك المركزي كسياسة نقدية مستقلة . قامت بريطانيا بفصل السلطات المالية والنقدية بشكل واضح أواخر التسعينات، بينما تبعتها النرويج عام ٢٠٠١.

تعد النرويج من أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم، وبالتالي فهذه الهزة في اسعار النفط آثرت سلباً على الاقتصاد النرويجي بشكل كبير، ولكنها ليست الاولى. وبالمقارنة مع ما حصل في أواخر الثمانينات عندما انهارت أسعار النفط (١٩٨٧-١٩٩٢) : تعد نسبة البطالة التي حصلت في التسعينات أكبر بكثير من الحاصل حالياً كنتيجة لتراجع الاقتصاد، وذلك بسبب الإصلاحات الهيكلية التي عملنا عليها منذ ذلك الوقت. الانهيار في سعر النفط متقارب ولكن التآثير مختلف بسبب تطوير الاقتصاد.

lse_2

كدولة منتجة للنفط كنا نتوقع ان يصل إنتاجنا وصناعتنا للنفط الى الذروة في مرحلة ما، ولكن الانهيار الذي حصل مؤخراً كان أسرع مما توقعنا.

أعتقد أن اقتصادنا استطاع التكيف إلى حد ما مع انهيار أسعار النفط بفضل الإصلاحات الاقتصادية التي عملنا عليها خلال العقد الماضي، وفيما يلي أهم ثلاثة عناصر من تلك السياسات:

أهم الإصلاحات الهيكلية التي عملنا عليها:

1 –السياسات النقدية وآلية سعر الصرف : لم يعد البنك المركزي يعمل على استهداف السعر المناسب فقط بل أصبح يستهدف التضخم المنخفض والمستقر ، في الاحوال الاقتصادية الجيدة يرفع سعر الفائدة ويخفضها في أوقات التباطؤ لتحفيز الاقتصاد.

2 –إصلاحات المالية العامة والضرائب، منذ عام 2001 قمنا بالتركيز بشكل اكبر على ايداع إيرادات النفط في الصندوق السيادي، وفصل آلية ادارة الصندوق عن وزارة المالية ووضعها في يد البنك المركزي، لا يقوم البنك بالصرف مباشرة من الإيرادات بل فقط من العوائد و سنحاول الحفاظ على المزايا الاجتماعية التي نقدمها للشعب بالرغم من تكلفتها العالية، لأننا لا نريد أن يتأثر الشعب بهذا الانخفاض

3- تقوية القطاع المالي وتشديد الرقابة على الأسواق المالية ، النرويج تدعم زيادة الرقابة على القطاع المالي والبنوك، حالياً كل المعايير البنكية تفوق متطلبات اتفاقية بازل. ففي أواخر الثمانينات تعرضت النرويج لأزمة في القطاع البنكي بسبب مزيج من ارتفاع أسعار الفائدة و ارتفاع التضخم وارتفاع الضرائب وقطاع بنكي ضعيف ومثقل بديون سكانية، مما أثر سلباً وبشكل كبير على الاقتصاد النرويجي. وكنتيجة آمنا بأهمية تقوية القطاع المالي كعامل مهم في احتواء الأزمات المالية الأخرى.

التحديات الحالية:

١- يعاني الاقتصاد النرويجي من انخفاض نمو الإنتاجية منذ عام 2005: كان معدل نمو الإنتاجية كمعدل نمو سنوي 3% خلال الفترة 1996-2005 ، ثم انخفض بشكل كبير إلى 0.8% فقط خلال الفترة 2008-2014 .

 ٢- الهيكلية السكانية : ارتفاع نسبة كبار السن لإجمالي عدد السكان

٣- انخفاض مستوى التعليم الجامعي: تصنيف الجامعات في النرويج أقل من معدل الدول الأوروبية وحتى الاسكندنافية الأخرى، لذلك فرفع مستوى الجامعات سيسهم في رفع مستوى الخريجين ويساعد على استقطاب المواهب، كما يساهم في التحول للاقتصاد المعرفي.

lse_6

الإصلاحات الاقتصادية المقترحة الجديدة للتعامل مع أزمة النفط الحالية :

١- إصلاح نظام الضرائب: حيث نعمل على تخفيض الضرائب على الجميع سواءً الشعب أوقطاع الأعمال.

٢- رفع مستوى القطاع العام وزيادة فعاليته : تحتل الوظائف الحكومية حالياً ٣٠٪ من إجمالي الوظائف في النرويج مما يتطلب المزيد من العمل على رفع الكفاءة والإنتاجية.

٣- دعم القطاع التجاري بشكل أكبر عن طريق تسهيل إنشاء الأعمال وتقليل العوائق أمام المنشأت التجارية والعوائق أمام التجارة الخارجية والتصدير والاستثمارات الأجنبية.

 ٤- المزيد من الإصلاحات في سوق العمل بحيث يصبح أكثر مرونة ، وبذلك نسعى لزيادة التوفيق بين متطلبات أصحاب العمل والباحثين عن وظائف .

من المعلوم أن الإصلاحات الاقتصادية الهيكلية تحتاج للكثير من الوقت حتى تعمل و تتضح نتائجها. ولكن حتى تتضح نتائج تلك الاصلاحات فنحن نعمل على عدة مشاريع منها على سبيل المثال زيادة الاستثمار في الطاقة البديلة، حالياً تعتمد كل المنازل في النرويج على الطاقة البديلة، نعم كل المنازل. ولكن المشكلة الحالية أن الجدوى من الاستثمار فيها ليست عالية بسبب انخفاض سعر النفط. ولكننا نستثمر أيضاً في الأبحاث والتطوير لاستكشاف المزيد من وسائل التطوير.

  بالرغم من العمل على كل هذه الاصلاحات إلا أن السؤال سيبقى مفتوحا أمامنا : كيف يمكننا دعم النمو الاقتصادي وإعادة هيكلة الاقتصاد بعيداً عن النفط؟

سيبقى السؤال مفتوحاً وسنظل نعمل على ما نراه مناسباً بالتعاون معكم في جامعة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية التي  طالما استفدنا من آراء الأكاديميين فيها وكان تعاوننا معهم مثمراً.

انتهت المحاضرة وفتح المجال لأسئلة الحضور، وللمفاجأة بادر رئيس الجلسة بالقول أن الوزيرة تريد الحصول على أسئلة من السيدات في القاعة.

أهم الأسئلة:

سؤال : من المعلوم ان الوظائف التكنولوجية لا تؤدي إلى رفع الانتاجية فلماذا تتجهون لها ؟

الوزيرة: لأنها تعمل على تحسين كفاءة عمل القطاع العام بشكل جيد، فنحن نريد ان يكون القطاع العام أكثر كفاءة وبالتالي زيادة التكنولوجيا تؤدي لمزيد من الشفافية.

سؤال: كيف ترين مستقبل المرأة في النرويج ؟ فبالرغم من ارتفاع نسبة النساء في المناصب القيادية الحكومية إلا أن القطاع الخاص لا يعكس ذلك ؟

الوزيرة: بالفعل فالنساء يشكلن 40% من المناصب القيادية في الحكومة بينما فقط 8% من تلك المناصب في القطاع الخاص، بصراحة لا أعلم ما هو الحل المثالي لهذه المشكلة ولكن لدي أمل كبير في التغيير، النساء الآن يشكلن نسبة أعلى في التعليم العالي وبالتالي فالتعليم سيؤدي حتماً إلى مناصب قيادية أكبر في المستقبل، وحتى يحصل هذا التغيير فأنا شخصياً أؤمن بأهمية دور القدوات في المجتمع وتشجيعهن على تحفيز بقية النساء في الدولة. فالدراسات تشير إلى آن المرأة بشكل عام لا تقوم بالإقدام على وظيفة جديدة إلا إذا كانت متأكدة أنها قد أوفت بالمتطلبات بنسبة ١٠٠٪ – وأنا أقول أحياناً ١٢٠٪ ! – بينما يقوم الرجل بالتقديم إذا ما استوفى ٦٠٪ من المتطلبات فقط وغالباً ما يحصل عليها بسبب إقدامه على التجربة. على النساء أن يكن أكثر جرأة فالعالم ليس مثالياً كما نعتقد.

انتهت المحاضرة.

IMG_7135

تعليقي الشخصي: كانت المحاضرة مفيدة وشيقة ،ولكن تمنيت أن تعلق الوزيرة بشكل اكثر تفصيلاً عن النقاط التالية:

ارتفاع نسبة الصادرات النفطية من الصادرات النرويجية

طبيعة الاقتصاد المعرفي الذي تطمح للوصول له

، ملاحظة هامة : بالرغم من اشتراك المملكة مع النرويج في أن كليهما من أكبر الدول المصدرة للنفط، إلا أنه ومن خلال هذه المحاضرة السريعة يتضح الفرق أكثر في هيكلة الاقتصاد. الأساسيات التي بني عليها الاقتصاد النرويجي صناعية ومختلفة تماما عن اقتصاد المملكة وأولوياته التنموية .  كتبت عن هذا الموضوع سابقاً في قسم المقالات.

بالإضافة إلى أنه يبدو واضحاً من خلال الخطة المقترحة آنها ستواجه تحديات مع نموذج الرفاهية الذي تعتمده النرويج منذ وقت طويل وهذه الخطة تندرج فيما يبدو مع أهداف الحزب الذي ترأسه الوزيرة. وفيما يلي نبذة بسيطة عنها وعن الحزب السياسي:

سيف جنسن: Siv Jensen

وزيرة المالية في الحكومة الحالية ورئيسة حزب التقدم، كانت مرشحة لرئاسة الوزراء قبل عدة أعوام، كما تلقب بمرأة النرويج الحديدية. تقتدي بمارغريت تاتشر وتتشارك معها في آرائها حول الخصخصة وتقليص حجم القطاع العام. للمزيد عنها :

https://en.wikipedia.org/wiki/Siv_Jensen

http://www.aleqt.com/2013/09/08/article_784225.html

مصادر الرسومات ولقراءة المحاضرة كاملة * :

https://www.regjeringen.no/en/aktuelt/how-to-boost-growth-as-the-oil-price-falls–transformation-and-reform-of-the-norwegian-economy/id2479604/