ليس الصندوق السيادي السر الوحيد لنجاح تجربة دولة النرويج مع النفط، صحيح أن إدارة الإيرادات النفطية تعد جزءاً هاماً من نجاح تجربة النرويج، ولكنها ليست كامل القصة. من العدل استعراض بداية القصة ونشأة الفكرة؛ بدلاً من القفز للحلقة الأخيرة المتمثلة في الصندوق الذي أبهر العالم. بدأت قصة نجاح النرويج بالسؤال : كيف يمكن الحصول على نمو اقتصادي مستقر رغم تذبذب العوائد النفطية؟ ولم تبدأ بالصندوق.

تتلخص الاستراتيجيات التي ساعدت النرويج في تخفيف أثر النفط على اقتصادها في نقاطٍ ثلاثة: الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ارتفاع متسوى التشغيل والإنتاجية، إدارة الموارد النفطية والصندوق السيادي.

١ ) التركيز العالي على دعم القطاع الخاص، بالرغم من كبر حجم القطاع الحكومي : يتبع اقتصاد النرويج النظام المختلط الذي يمزج بين حصة الحكومة وحصة القطاع الخاص في الاقتصاد، فتوفر الحكومة مستشفيات كبيرة عامة ومدارس عامة ومعظم شركات النفط مملوكة للحكومة، ونسبة امتلاك الحكومة للشركات المدرجة في سوق الأسهم حوالي ٣٠٪، وفي نفس الوقت تفرض الحكومة ضرائب عالية على المواطنين لم تنخفض كثيراً بزيادة إيرادات النفط. إلا أن التركيز عالٍ جداً على دعم القطاع الخاص فهم لا يرون أن هناك تعارض بين كبر حجم القطاع الخاص وكبر حجم القطاع العام، بالعكس فقد يؤدي القطاع الحكومي الكفؤ إلى دعم القطاع الخاص عن طريق تحسين المناخ الاستثماري وجذب الاستثمارات الأجنبية ودعم التوظيف، والدليل هو تصنيف النرويج في المؤشرات:

مؤشر البنك الدولي لسهولة أداء الأعمال ٦ من أصل ١٨٥ دولة، النزاهة ٧ من ١٧٦، الانفتاح التجاري ٨ من ١٢٥، ومؤشر التنافسية ١١ من ١٤٨ دولة (حسب ٢٠١٣).

٢) النرويجيون شعب منتج .. ارتفاع نسبة التشغيل والإنتاجية بين المواطنين: على عكس معظم الدول المعتمدة على الموارد الطبيعية، تتميز النرويج بمعدلات عالية من الإنتاجية ومعدلات منخفضة جداً من البطالة، تجعل هذه الميزة أساس نجاح تجربة النرويج في الرفاهية وليس النفط. بنهاية عام ٢٠١٤ كانت معدلات البطالة في النرويج ٣.٨٪ فقط وهي الأقل بين دول الاتحاد الاوروبي الذي بلغ متوسط البطالة فيه ١٠.٢٪. وتفتخر النرويج بالنسبة العالية لمشاركة المرأة في سوق العمل والتي تبلغ ٧٤٪ وهي أعلى من الولايات المتحدة (٥٧٪) وأعلى من معدل دول الاتحاد الأوروبي (٦٠٪)، وبكل تأكيد أعلى من دول شرق آسيا مثل اليابان التي تعاني من انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل لعوامل اجتماعية. الميزة في رفع نسبة مشاركة المرأة حسب ما يوصي البنك الدولي هي رفع النسبة الكلية للمشتغلين في الاقتصاد، وبالتالي رفع الناتج المحلي ونموه، وتعول عليها الحكومات كثيراً في سبيل رفع الإنتاجية. حرصت الحكومة النرويجية على إبقاء النسبة المرتفعة لمشاركة المرأة، لعلمها بأنه غالباً ما تؤدي الايردات النفطية إلى انخفاض مشاركة المرأة في سوق العمل حسب الدراسات وتجارب الدول الأخرى، فبادرت بسن التشريعات التي تكفل استمرار المرأة في عملها وفي نفس الوقت المحافظة على معدل نمو النمو السكاني التي تعد مرتفعة نسبياً مقارنة ببقية دول الاتحاد الأوروبي، فمعدل الولادات في النرويج هو ١،٨ طفل لكل امرأة، مقارنة ب ١.٤ في ألمانيا و١.٢ في البرتغال. من أهم تلك التشريعات فرض الحكومة النرويجية إجازة أمومة مدفوعة لمدة عام كامل، وإجازة مدفوعة للأب لمدة ٤ أشهر، كما توفر حضانات للأطفال منذ بلوغهم سنة واحدة وبأسعار منخفضة مناسبة لجميع المواطنين، وتقوم بتوفير ساعات للنشاطات الإضافية للأطفال لما بعد المدرسة، كل ذلك للمحافظة على إنتاجية المواطنين والمواطنات وضمان استمرارهم في سوق العمل، مع الحرص على برامج التدريب على المهارات الحديثة وتطويرهم داخل سوق العمل.

٣) إدارة الإيرادات النفطية: قامت النرويج بعزل الإنفاق الحكومي عن إيرادات الصندوق السيادي تماماً، والإنفاق فقط من أرباح الصندوق الذي تتوزع استثماراته بين أكثر من ٩٠٠٠ شركة حول العالم لضمان عدم المخاطرة. لن أتحدث مطولاً عن طريقة إدارة الصندوق ولا عن استراتيجية الاستثمار فيه، فقد أُشبعت تحليلاً في الصحف والأبحاث المحلية والعالمية.

من المهم إيجاز ما فعلته الحكومة النرويجية عقب اكتشاف النفط عام ١٩٦٩، فقد كانت أول قراراتهم هي البحث في كيفية حماية الاقتصاد من المرض الهولندي (وهو باختصار الضعف الذي يصيب القطاع الصناعي في دولة إذا ما بدأت بتصدير الموارد الطبيعية)، والبحث في كيفية تجنب الآثار السلبية على القطاع الصناعي المتخصص في صناعة الشحن والنقل، والقطاع الزراعي المبني على صيد الأسماك. ولم يتم صرف الكثير على البنية التحتية لأنها كانت منشأة مسبقاً، ولكن بالمقابل تم استهداف دعم الرفاهية عن طريق دعم القطاع الحكومي والخدمات الحكومية من تعليم وصحة، بالإضافة إلى التركيز على دعم القطاع الخاص والمحافظة على معدل الإنتاجية المرتفع. فقامت الحكومة بتخفيض سن التقاعد لفتح فرص أكبر أمام الشباب، وزادت دعم المنتجات الزراعية، وتوسعت في سياساتها الصناعية، وقامت بخفض الضرائب بشكل بسيط. في الثمانينات الميلادية، قامت الحكومة ببحث أفضل السبل في إدارة الموارد النفطية وفصلها عن الإنفاق الحكومي والتي كانت أساساً لنشأة الصندوق السيادي عام ١٩٩٠، وبدأ تفعيله عام ١٩٩٦، أي بعد ٢٧ عاماً من بداية إنتاج النفط. وفي النهاية استطاعت الحكومة النرويجية أن تجعل إيرادات النفط لا تزيد عن ٣٠٪ من إجمالي الإيرادات الحكومية، وأن يشكل القطاع النفطي ٢٣٪ فقط من الناتج المحلي الإجمالي، حسب إحصائيات عام ٢٠١٣.

ذكر بول كوليير، أحد أكبر اقتصاديي جامعة أكسفورد والخبير في إدارة الموارد الطبيعية، في عدة مواقع آخرها في محاضرة ألقاها في مؤتمر جمع مجموعة كبيرة من ممثلي الدول النفطية، أن تجربة النرويج في إدارة الموارد وصندوقها السيادي لم تكن لتنجح لو لم تكن النرويج دولة صناعية متقدمة قبل اكتشاف النفط. وحتى بعد اكتشاف النفط، قضت النرويج عدداً من السنوات في استخدام الموارد النفطية في الإنفاق على زيادة تنافسية الاقتصاد المحلي والتهيئة لمناخ اقتصادي جذاب قبل أن تبدأ في تجميع الثروات في الصندوق. وبذلك ينصح كوليير والعديد من الدراسات أن تركز الدول النفطية على تنمية اقتصادها المحلي قبل التوجه للصناديق السيادية، وعدم التشبث بتجربة صندوق النرويج بشكل مطلق لأنه لا توجد قاعدة واحدة صالحة للجميع.

بالنسبة للاقتصاد السعودي، فقد حباه الله بنعمة الإيرادات النفطية ليقفز في وقت قصير إلى مصاف الدول الكبرى والأغنى عالمياً، مع وجود دور فعال للدولة والمؤسسات التي تعمل باستمرار على تنمية الاقتصاد والمستوى الاجتماعي من تعليم وصحة للأفراد مقارنة بالدول النفطية الأخرى. ولكن نظراً لارتفاع حجم إيرادات النفط المرتبطة بالإنتاج الكبير، فقد يكون من المناسب اتباع نموذج النرويج من خلال تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص وتنمية الصناعة والمشاريع الصغيرة، ورفع نسبة مشاركة المواطنين في سوق العمل، وخاصةً مشاركة المرأة. مع الأخذ بعين الاعتبار بأن اقتصاد المملكة ما زال بحاجة إلى الاستمرار في بناء البنية التحتية وتنمية رأس المال البشري من تعليم وصحة وخلق للوظائف، بالإضافة للعديد من الأولويات الاقتصادية المخلتفة عن أولويات النرويج.

لذلك قد يكون من المناسب للاقتصاد السعودي وضع خطة تنموية جديدة ـ مستقلة عن الخطط الخمسية ـ للإنفاق على الأولويات الاقتصادية السابقة، ومشابهة لما حصل في النرويج في مرحلة ما قبل الصندوق، بحيث تنتهي هذه الخطة بإنشاء صندوق بعد عدد معين من السنوات بشرط تحقق نسب معينة من الأهداف التنموية الملحة. وبعد تحقيق تلك الأهداف، والتأكد من سلامة البنية التحتية ونمو الاقتصاد غير النفطي، يتم إنشاء صندوق سيادي على الطراز النرويجي.

تجربة النرويج لم تمر بدون مشاكل صاحبت ارتفاع الايرادات النفطية، من ضمنها:

١ ) ارتفاع تكلفة العامل النرويجي مقارنة بغيره من الأوروبيين، مما يزيد من تكلفة المواد المصنعة وبالتالي قد يقلل تنافسية الصادرات النرويجية. فقد ارتفعت التكلفة من حوالي ٣٠ يورو عام ٢٠٠٠ إلى ٥٤ يورو عام ٢٠١٤ في الوقت الذي انخفضت فيه تكلفة العامل في السويد وألمانيا.

٢ ) ارتفاع نسبة تاركي الدراسة بسبب مغريات ارتفاع الراتب

٣ ) ارتفاع نسبة أخذ الإجازات مقارنة ببقية دول اوروبا، مما يسبب قلقا لدى الحكومة من ان ذلك قديؤدي لانخفاض انتاجية العامل التي استطاعوا المحافظة عليها طول السنوات السابقة.

٤ ) ارتفاع نسبة المهاجرين للنرويج من الدول القريبة خاصة من السويد التي بدأت الصحف تطلق عليها لقب “تركيا النرويج”، زادت الهجرة بسبب مغريات ارتفاع الرواتب في النرويج. تلك الهجرة أدت للضغط على سوق العقارات بالارتفاع وخاصة في المناطق المنتجة للنفط، كما يسبب ضغطاً سكانياً على النرويج حيث عدد السكان ٥ ملايين نسمة فقط.

٥ ) ظهور مطالبات سياسية بتخفيض نسبة الضرائب المفروضة على الشعب النرويجي خاصةً في ظل ارتفاع الايردات النفطية.

٦ ) بالرغم من كل تلك النجاحات، إلا أن السياسيين في النرويج قلقون جداً من انخفاض أسعار النفط الذي يمثل أكثر من ٥٠٪ من الصادرات، وحجم القطاع النفطي ومايرتبط به من قطاعات أخرى كالنقل والشحن كبير ايضاً. تشير إحصائيات حديثة إلى ازدياد ارتباط للاقتصاد النرويجي بدورات النفط صعوداً وهبوطاً. فعلى سبيل المثال، مع انخفاض أسعار النفط خلال العام الماضي وهذا العام تشير الإحصاءات إلى أن البطالة ارتفعت في شهر مايو الماضي إلى ٤.٣٪ بسبب تسريح أكثر من عشرين ألف موظف من شركات الخدمات وشركات النفط سواءً الحكومية أوالخاصة، كما انخفض الناتج المحلي بمقدار ٠،١٪ خلال الربع الثاني متأثراً بانخفاض الناتج في قطاع النفط وقطاع الشحن. وقام البنك المركزي بخفض سعر الفائدة في شهر يونيو الماضي للمرة الثانية منذ انخفاض سعر النفط رغبةً في تحفيز الاستثمارات الخاصة، وأخيراً انخفضت قيمة العملة المحلية النرويجية (الكرونه) بحوالي ١١٪ خلال العام الماضي، بسبب التخوف من أن يزداد تأثر الاقتصاد النرويجي بانخفاض سعر النفط.

ختاماً، ليس من العدل الإقلال من تجربة النرويج في الصندوق السيادي، وليس هذا الهدف من هذه المقالات، بل على العكس فهي التجربة التنموية الرائدة في إدارة الإيرادات النفطية حول العالم بشهادة المختصين والسياسيين والأكاديميين على حد سواء. ولكن ليس من العدل أيضاً قص التجربة، والتركيز على الصندوق السيادي كحل وحيد للتنويع الاقتصادي خارج النفط، ومن ثم الإغفال-ـ أو التغاضي ـ عن بقية سياسات التنمية المستدامة التي تعيشها النرويج وتعمل بشكل جاد للحفاظ عليها.

** مصادر البيانات موجودة الرجاء المراسلة في حال رغبت بالاطلاع عليها