مع انخفاض أسعار النفط كثرت التوقعات بظهور عجز في ميزانيات الدول النفطية بشكل عام، وميزانية المملكة بشكل خاص. فبعد مرور الربع الأول من العام الجاري، بدأت علامات العجز بالظهور في عدد من الدول النفطية مثل فنزويلا ونيجيريا، التي تحتاج إلى ارتفاع الأسعار لما فوق مستوى 100 دولار للبرميل كي تتمكن من تلبية احتياجات موازناتها.
أما روسيا، فهي أكثر الدول النفطية معاناةً مع انخفاض الأسعار، فحتى قبل رفع معدلات الفائدة إلى 17% من 10.5% في ديسمبر الماضي، أعلنت موسكو أن الاقتصاد الروسي قد ينكمش بمعدل يصل إلى حوالي 5% هذا العام إذا لم ترتفع أسعار النفط فوق 60 دولاراً للبرميل، هذا عدا عن أثر العقوبات الاقتصادية. بالإضافة لانخفاض أسعار النفط، أشارت الإحصاءات الحديثة لمؤسسة النقد إلى انخفاض احتياطات المملكة الخارجية في الشهرين الأخيرين، مما يدل على زيادة النفقات الحكومية لهذا العام.

عجز الميزانية الحكومية ليس بالأمر السيء، ولا هو بالمستغرب في عالم الاقتصاديات المتقدمة ومن باب أولى ألا يكون مستغربا علي الاقتصاديات المعتمدة على الموارد ذات الأسعار المتذبذبة. الأهم من عجز الميزانية بحد ذاته هو كيفية إدارته والاستعداد له. كما هو معروف، يعتمد الاقتصاد السعودي بشكل كبير على الإيرادات النفطية المتفاوتة تبعاً لأسعار النفط المتذبذبة، مما جعله اقتصاداً مكشوفاً يتأثر بعوامل خارجية لا تدخل ضمن السيطرة المحلية. ويعتمد الإنفاق الحكومي على تلك الإيرادات النفطية، وبذلك يكبر حجم الإنفاق الحكومي وينمو الدور الفعال للدولة عند ارتفاع أسعار النفط ويتأثر بهبوطها. فكيف تعاملت المملكة سابقاً مع تذبذبات سعر النفط التي أدت إلى تذبذب الميزانية السعودية؟

مع تحسن أسعار النفط عن مستوياتها المتدنية تاريخياً في التسعينات الميلادية، اختفى العجز لتحقق الميزانية الحكومية فائضاً سنوياً متواصلاً منذ عام 2003 وحتى العام الماضي، باستثناء العجز المحقق عام 2009 بسبب انخفاض سعر النفط متأثراً بالأزمة المالية العالمية. أما أول ظهور للعجز في الميزانية فقد كان عام 1969م، ولكن العجز المتواصل سنوياً في الميزانية ابتدأ منذ عام 1983م عقب انهيار أسعار النفط وانتهاء فترة الطفرة النفطية، واستمر حتى عام 2000م دون تحقيق أي فائض لأي عام خلال تلك الفترة. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها دخول الدولة في مشاريع البنية التحتية الكبيرة خلال فترة الطفرة النفطية في السبعينات الميلادية وعدم قدرتها على مواكبة مصروفات تلك المشاريع عقب انهيار أسعار النفط، وبذلك لجأت إلى الاقتراض من البنوك المحلية عام 1988م، أي أن الحكومة لم تلجأ للاقتراض الداخلي إلا بعد مرور خمس سنوات من استخدام الاحتياطي. ولكن العجز الحكومي أثر على الأولوية في المشاريع التي تتبناها الدولة، حيث اضطرت السلطات إلى الاختيار بين المشاريع الأكثر أهمية لتتبناها في سبيل تقليل المصروفات، أو إلغاء مشاريع أخرى مهمة أو تأجيلها لأنها أقل أهمية مثل بعض الاستثمارات العامة. وبالمقابل، أدى تقليص تلك الاستثمارات إلى انخفاض تراكم رأس المال، وبالتالي إلى بطء نمو وإنتاجية القطاع الخاص لأن نشاطه بالغالب معتمد على المشاريع الحكومية، فأصبح الأثر السلبي لانخفاض سعر النفط مضاعفاً: إنخفاض الإيرادات النفطية، وبطء نمو القطاع الخاص.

ولتوضيح ارتباط نشاطات القطاع الخاص بالإنفاق الحكومي نجد أن النسبة العظمى من قروض البنوك التجارية للقطاع الخاص خلال 1975-2004م كانت القروض المقدمة للبناء والتشييد وقروض القطاع التجاري، حيث شكلت حصة هذين القطاعين ما يقارب 40 % من إجمالي القروض. وبالرغم من تركيز الحكومة على تنمية القطاع الصناعي، إلا أن حجم القروض البنكية المقدمة إلى القطاع الصناعي لم تكن كبيرة، حيث كانت حصة هذا القطاع بمعدل 10% فقط من إجمالي القروض البنكية خلال الفترة 1975-2004م. الملفت للنظر في تلك الفترة، أن القروض الحكومية من البنوك التجارية كانت تتصاعد تدريجياً منذ أوائل السبعينات الميلادية بنسب صغيرة، ولكن الزيادة الكبيرة كانت عام 1992م حيث زاد إجمالي تلك القروض بنسبة 156%، بسبب ظروف حرب الخليج التي أدت لارتفاع الإنفاق الحكومي بشكل مفاجيء وكبير.

ومن هنا بدأ تراكم الدين العام المحلي، من خلال الاقتراض من البنوك التجارية المحلية وصندوق معاشات التقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، ولم تلجأ الحكومة إلى الاقتراض الخارجي قط. ولكن كبر حجم الدين المحلي حتى أنه أصبح أكبر من حجم الناتج المحلي الإجمالي في بعض السنوات، وكانت أعلى نسبة للدين العام الحكومي عام 1999م حيث بلغت نسبته حوالي 119% من إجمالي الناتج المحلي، ثم انخفضت هذه النسبة بعد ذلك لسببين، الأول مبادرة الحكومة في تسديد الدين خاصةً بعد زيادة الإيرادات النفطية مع عودة أسعار النفط للارتفاع عام 2000م، والثاني هو النمو في إجمالي الناتج المحلي مع تحسن أسعار النفط، حيث انخفضت النسبة ذاتها نهاية عام 2004م لتصبح 66%. الأرقام الحديثة للدين تشير إلى انخفاض نسبته إلى 2.1% من الناتج المحلي لعام 2013، وبذلك تحولت المملكة إلى إحدى أقل دول العالم استدانةً حسب التقارير المنشورة.

طوال تلك الحقبة، كان الجزء الأكبر من الزيادة في الاستثمارات المحلية مرتبطاً بالزيادة في الاستثمار الحكومي بشكل أكبر بكثير من استثمار القطاع الخاص، وعلى الرغم من تشجيع ودعم الحكومة للقطاع الخاص من أجل زيادة مساهمته في الاقتصاد المحلي، إلا أنها كانت – من جهة أخرى وبشكل غير مباشر – تساهم في “مزاحمة” القطاع الخاص عن طريق الاقتراض من البنوك المحلية، ومنافسته في الحصول على القروض المحلية.

يعرف أثر المزاحمة (Crowding-out) بدخول الحكومة للاقتراض من البنوك المحلية لسد عجز الميزانية أو لأي غرض تمويلي آخر، مما يجعل البنوك والجهات المقرضة تفضل تمويل الحكومة على تمويل القطاع الخاص متسببةً في حدوث “مزاحمة” لشركات القطاع الخاص. وبمتابعة أثر المزاحمة في المملكة، فقد كانت العلاقة بين القطاعين العام والخاص خلال الفترة 1975 إلى 1987م – وهي فترة الطفرة النفطية وارتفاع الإيرادات – علاقةً تكاملية، فقد كانت مرتبطة بزيادة الإنفاق الحكومي على قطاع البنية التحتية، الأمر الذي أدى إلى تحفيز معظم نشاطات القطاع الخاص في الاقتصاد المحلي. أما الأثر التزاحمي فبدأ بعد لجوء القطاع الحكومي للاقتراض من البنوك المحلية عام 1988م مما أثر سلباً على استثمارات القطاع الخاص.

ولكن هل من مشكلة أخرى في دخول الحكومة كمقترض من البنوك المحلية عدا عن أثر المزاحمة؟ تشير الدراسات إلى أن دخول القطاع الحكومي إلى السوق المحلية كمقترض يؤدي أيضاً إلى ارتفاع أسعار الفائدة المحلية، ويعود ذلك إلى انخفاض التمويل المتاح أمام القطاع الخاص بسبب الاقتراض الحكومي مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة الكلية.

بعد استعراض أثر عجز الميزانية والمزاحمة، لا يخفى على القاريء استيعاب أهمية تقليص اعتماد تمويل المشاريع الحكومية على الاقتراض المباشر من البنوك المحلية لتقليل الأثر التزاحمي بين القطاعين. بالإضافة إلى ضرورة توجيه المصروفات الحكومية نحو المشاريع الإنتاجية التي تدعم النمو الاقتصادي وتشجع الاستثمارات الخاصة المستقبلية مما يؤدي إلى دعم التكوين الرأسمالي الضروري وقت الحاجة للتمويل.

أما الآن وقد بات عجز الميزانية وشيكاً، فكيف نتعامل معه بناءً على تجربة المملكة السابقة ؟ وبناءً على التجارب العالمية الناجحة؟ نظراً لتراكم الفوائض المالية من الإيرادات النفطية خلال الأعوام العشر السابقة فإنه من المرجح أن تقوم الحكومة بسد احتياجاتها التمويلية من تلك الفوائض، وألا تقوم بالاقتراض إلا بعد استخدام تلك الفوائض، وذلك بناءً على ما حصل في السابق. أما في حالة اللجوء للسوق المحلية للاقتراض ونمو الدين العام المحلي فمن المستحسن الأخذ بعين الاعتبار عدداً من النقاط من أجل الحصول على إدارة فعالة للعجز الحكومي والدين العام:
1-المزيد من الشفافية والوضوح فيما يتعلق بالمبالغ التي تحتاجها الحكومة وتنوي اقتراضها من السوق المحلية، مما يؤدي إلى ارتياح أكثر في الأسواق الأولية، كما يحد من ارتفاع أسعار الاقتراض. حيث إن الإعلان المبكر يسهل على المستثمرين ترتيب أوراقهم المالية، ويمنحهم المزيد من الوقت لاختيار الأوراق المالية التي يفضلون الاستثمار فيها.
2-إنشاء برنامج خاص بالدين الحكومي يعنى بالعلاقة بين المستثمرين والحكومة كجهة مقترضة، حيث يلتقي فيه المستثمرون بممثلين عن السلطات المالية المحلية، لمناقشة الوضع المالي الاقتصادي الراهن، وتوضيح نوعية الأوراق المالية المطروحة والمبلغ المالي الذي تود الحكومة اقتراضه، كما هو معمول في العديد من دول العالم التي لديها ديون محلية، مثل اليابان والدنمارك.
3-تنويع محفظة الاقتراض الحكومي، بحيث يتم التنويع بين عدد من أدوات الدين مثل السندات وأذونات الخزانة، وتنويع نوعية الدائنين بين المحليين والخارجيين كذلك ولو بنسبة بسيطة لتخفيف الضغط على السوق المحلية، وتنويع المدى الزمني للسندات المصدرة بحيث تختلف تواريخ الاستحقاق فيما بينها بهدف عدم الضغط على السيولة في السوق المحلية. ولكن يفضل أن يتم كل ذلك التنسيق ضمن استراتيجية موحدة لتقليل مخاطر الدين وخفض التكلفة ما أمكن.

ختاماً، من المهم التأكيد على ضرورة تنويع مصادر الدخل الحكومي من أجل الحصول على تنمية مستدامة، وذلك من خلال تطوير المؤسسات الاقتصادية مثل الأسواق المالية وأسواق رأس المال مما يعد دعماً أساسياً في سبيل تطوير تمويل المشاريع الحكومية، حيث إنه من خلال الأسواق المالية المتطورة من الممكن توجيه المدخرات إلى استخدامات إنتاجية، مما يؤدي إلى تخفيض تكلفة الاستثمارات الخاصة والحكومية على حد سواء. كما أنه من الضروري التأكيد على أهمية الاستراتيجية الأكبر والأكثر أهمية، ألا وهي استراتيجية التنويع الاقتصادي والقاعدة الاقتصادية التي تحمي مسيرة النمو والتنمية الوطنية، بدلاً من الرضوخ لأسعار النفط المتذبذبة ومن ثم التفكير في كيفية تغطية عجز الميزانية.