من المعلوم أن خطط توظيف السعوديين ليست جديدة، بدأتها خطط التنمية منذ زمن وسارعت في تفعيلها أكثر وزارة العمل في عهد الوزير السابق غازي القصيبي رحمه الله على مقام أوسع. لذلك لم تكن مهمة الوزير عادل فقيه جديدة، كما أنه لم يبدأ من الصفر. فأوجدت وزارة العمل العديد من البرامج التي تهدف لإحلال السعودي محل الوافد من أجل توظيف العاطلين حسب مؤهلاتهم الحالية. وانتشر الشباب السعوديون والشابات السعوديات في مختلف القطاعات من حولنا: في الأسواق والمطاعم والشركات وجميع المرافق الخدمية، وهذه بداية تحقيق الهدف.
بعد ذلك، ظهرت بعض الأصوات الممتعضة من نوعية الوظائف المتاحة للشباب السعودي، وتطالب بوظائف “أفضل” للشباب لا لشيء إلا لانتمائهم لدولة ذات إيرادات نفطية عالية كالمملكة، هذا بالرغم من دعم الوزارة لتلك الوظائف مادياً ورفعها للرواتب المعطاة من خلالها للسعوديين كنوع من التحفيز لهم، والعمل المستمر على تحسين بيئة القطاع الخاص لجعلها أكثر جاذبية من القطاع الحكومي المتكدس. يتساءل هؤلاء الاشخاص عن عدم قدرة وزارة العمل على إيجاد وظائف للشباب في قطاعات أفضل من المتوفرة حالياً. فماهي تلك القطاعات؟ وما دور وزارة العمل؟
بالنظر للإحصاءات الرسمية، معظم الوظائف التي تم توظيف العاطلين فيها تقع ضمن الوظائف الخدمية: التجزئة، القطاع المالي، الأطعمة والمأكولات وبقية الخدمات المتنوعة. فلماذا لا توجد وظائف أخرى تتناسب مع المقومات الأساسية للاقتصاد السعودي؟ السبب الرئيسي هو عدم نضج القطاع الصناعي حالياً بالمملكة بالشكل المأمول. فكما هو معلوم في اقتصاديات التنمية، أن النمو الاقتصادي القوي وخلق الوظائف الجديدة ينتج من التنمية الصناعية بالمقام الآول، مهما كان مستوى التصنيع بسيطاً فليس بالضرورة أن يكون التصنيع مصنعاً للطائرات الحربية أو الصواريخ النفاثة. إن اعتماد المملكة على إيرادات النفط بهذا الشكل الكبير، مثلها مثل العديد من الدول الأخرى المعتمدة على الموارد الطبيعية، عزز من القطاع الحكومي والخدمي وقلل من أهمية نشأة القطاع الصناعي بالرغم من المبادرات الصناعية القوية في السبعينات الميلادية. المشكلة التي تواجه المملكة وغيرها من الاقتصاديات المعتمدة على الموارد الطبيعية أنه في الوقت الذي يعتمد فيه دخلها على الموارد الطبيعية، إلا أن هذا القطاع الحيوي بالنسبة لهم لا يستطيع استيعاب كميات كبيرة من العاملين لأنه من القطاعات كثيفة رأس المال (capital intensive) أي أنه يعتمد على الآلات والأجهزة ولا يعتمد على العنصر البشري إلا بشكل محدود. وذلك ينطبق على جميع الدول التي يشكل فيها قطاع الموارد جزءاً هاماً من اقتصادها. فبالنظر لدولة نفطية أخرى ولكنها أيضا صناعية، روسيا مثلاً، يشكل النفط ومشتقاته حوالي 67٪ من مجموع الصادرات، بينما لا تتجاوز نسبة العاملين في القطاع 2٪ مع الأخذ بالاعتبار أن روسيا ليست حديثة عهد بالصناعة ويشكل العاملون في القطاع الصناعي فيها أكبر نسبة مقارنة بالقطاعات الأخرى ب 18٪ معظمها في الصناعات الثقيلة مثل الأجهزة والآلات. أما بالنسبة المملكة، ففي حين تشكل الصادرات النفطية ومشتقاتها حوالي 89٪ من اجمالي الصادرات، يشكل العاملون في القطاع النفطي نسبة 2٪ فقط من مجموع العاملين. ولكن من ناحية أخرى، في الوقت الذي يستحوذ فيه القطاع الصناعي في روسيا على أكبر حصة من العاملين، نجد أن النسبة الأكبر من العاملين في الاقتصاد السعودي تتكدس في القطاع الحكومي بنسبة 48٪ يليه قطاعي الخدمات المالية والتجزئة بمجموع 24٪، بينما لا تتجاوز نسبة العاملين السعوديين في القطاع الصناعي 6%. الهدف من المقارنة بين الدولتين، أن نرى أنه حتى لو كانت الدولة النفطية صناعية وتملك مقومات الصناعة فهي لا تستطيع زيادة العاملين في القطاع النفطي فيها مهما كانت أهميته بالنسبة لاقتصادها، ولكن التحدي هو تنمية القطاعات المنتجة الأخرى – سواءً صناعية أو خدمية فعالة – لأنها هي التي تخلق فرص العمل وتدعم التنمية الاقتصادية. فكيف يتم خلق الوظائف في القطاعات المنتجة التي تدعم النمو الاقتصادي؟ للأسف أن الجواب ليس من صلاحيات وزارة العمل.
نعم، ليست وظيفة الوزير عادل فقيه تنويع الاقتصاد السعودي لجعله قادراً على خلق فرص عمل في قطاعات جديدة. وفي الحقيقة فهي ليست وظيفة شخص بعينه، بل مشروع وطني يتطلب تكاتف الحكومة، والقطاع الخاص، والمجتمع. الحكومة متمثلة في قيادة وزارة العمل لاستراتيجية لتوظيف ومراقبة سوق العمل، ولكن ذلك لن يتم إلا بدعم من الجهات الحكومية الأخرى. يحتاج مشروع توظيف السعوديين دعماً من وزارة التجارة والصناعة النشيطة في التركيز علي المشاريع الصغيرة الصناعية الخلاقة لوظائف وطنية لا المعتمدة على استقدام العمالة، ودعماً من البلديات في تسهيل أعمال تلك المشاريع، ودعماً من الهيئات الصناعية وهيئة الاستثمار في تشديد الوثاق على نسبة توظيف السعوديين في المشاريع الأجنبية وتوجيهها نحو المشاريع ذات القيمة المضافة للوطن. ومن ناحية تحسين المعروض من العمالة السعودية يحتاج الأمر دعماً من وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي ومؤسسات التدريب المهني والتقني لمواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، وغيرها من الجهات الحكومية ذات العلاقة.
أما دعم المجتمع فبدأ بالظهور ولو على استحياء، حيث زاد تشجيع رائدي الاعمال في المحافل المختلفة. ولكن لا يزال المطلوب من المجتمع المزيد من توجيه وحث الشباب من الجنسين نحو المشاريع الصغيرة المنتجة والتي ستكبر يوماً ما، والتوعية بتقليل الاعتماد علي العمالة الوافدة. إن تعود عادات جديدة أمر مؤلم بالفعل، ولكن من حق وطننا علينا أن نساهم جميعاً في إيجاد اقتصاد منتج غير معتمد بشكل تام على الموارد النفطية والعمالة الوافدة. تنسيق العمل بين الجهات السابقة أمر حتمي وليس بمعجزة، فوزارة العمل لوحدها لا تستطيع التصفيق.