برزت المطالبة بخصخصة المؤسسات الحكومية خلال السنوات الثلاثين الماضية، فمع نجاح النموذج الرأسمالي في الاقتصاد الغربي أخذت بقية الدول تتبع نفس الخطوات. ففي الثمانينات من العقد الماضي قامت مارغرت تاتشر في قرار تاريخي بخصخصة بعض الجهات الحكومية أملاً منها في زيادة الكفاءة وتقديم السعر والخدمة الأفضل للشعب تحت القوانين النظرية للمنافسة العادلة، ولكننا نجد البريطانيين اليوم يتساءلون فيما إذا كان ما قامت به تاتشر قراراً صائباً أم لا، حيث انفرد عدد قليل من الشركات، مثلاً، بتقديم خدمة غاز التدفئة للمواطنين ونشأ عن ذلك تحكم تلك الشركات بالأسعار ورفعها عن المستويات التي كانت الحكومة ستقدمها فيما لو كانت شركات الغاز حكومية، وأيضاً دون تطور ملموس في الخدمات.

من ناحية أخرى، يطالب الاقتصادي الشهير جوزيف ستيغلتز الحاصل على جائزة نوبل للاقتصاد في كتابه تجنب لعنة الموارد الطبيعية1 حكومات الدول النفطية بعدم الاستعجال في خصخصة شركات النفط الحكومية، فبالرغم من كثرة إيجابيات الخصخصة كالحوكمة والشفافية، إلا أن الأبحاث وجدت ظهور آثار سلبية عديدة لخصخصة شركات النفط تحديداً تتعدى تلك الإيجابيات. فخلال التسعينات من القرن الماضي حثت المنظمات العالمية الحكومات المعنية بضرورة الاستعجال في خصخصة شركات النفط بحجة أنه طالما بقيت الموارد الطبيعية تحت إدارة الحكومات فإن إدارتها لن تكون بالكفاءة التي ستكون عليها فيما لو كانت تحت إدارة شركات خاصة، وأن بقاءها تحت إدارة الحكومة سيؤدي للترهل وربما الفساد.

في تلك الحقبة، كان الاتحاد السوفييتي قد انهار حديثاً وتوجهت الأنظار إلى روسيا، بحكم وفرة الموارد النفطية فيها والتي كانت تشكل ٧٠ بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. قامت المنظمات العالمية بحث روسيا على الإسراع في خصخصة شركة النفط الحكومية أملاً في المزيد من الشفافية والكفاءة ورغبةً في تطبيق أسس الرأسمالية على من كانت إحدى الدول العظمى. ومع قرب الانتخابات الرئاسية عام ١٩٩٥م، أراد بوريس يلتسن (الرئيس الروسي آنذاك) كسب أصوات رجال الأعمال المحليين لضمان إعادة انتخابه. فقام يلتسن بالاستجابة لمطالب المنظمات العالمية، وبطريقة بدت وكأنها شرعية، أقام مزادات مغلقة لبيع حصص الحكومة في شركات النفط، أُطلِق عليها لاحقاً صفقة القرن، حيث خرج رجال الأعمال من تلك المزادات بثروات خيالية تقدر بالتريليونات من الدولارات، حصلوا عليها من نصيبهم من موارد الدولة النفطية بأسعار بالغة الزهد. خاف الأثرياء الجدد من ظهور حكومة جديدة تعيد السيطرة على الموارد النفطية، أو تهددهم بالمساءلة القانونية، فقاموا بتحويل تلك الثروات للخارج. كان المتوقع من عملية الخصخصة تلك أن تزيد الكفاءة والشفافية وترتفع الاستثمارات المحلية، ولكن ما حصل في حالة روسيا هو العكس: ضعفت الثقة في الحكومة وزاد الفساد، فانخفض الناتج المحلي بنسبة ٤٠ بالمئة. كما زادت هجرة الأموال المحلية للخارج فظهرت صفقات رجال الأعمال الروس الشهيرة في مختلف دول العالم، من أشهرها شراء رجل الأعمال رومان ابراموفتش لنادي شيلسي الانجليزي لكرة القدم، وغيرها من الصفقات التجارية والعقارية التي يجد المواطن الروسي العادي صعوبة بالغة في رؤية أي نتيجة إيجابية عليه أو على اقتصاده الوطني. حاولت الحكومات اللاحقة مراجعة تلك المزادات والحصول على بعض الضرائب من أثرياء النفط دون فائدة، مما زاد من الغضب الشعبي في روسيا وأماكن مختلفة في العالم على عمليات الخصخصة والرأسمالية، وساهم في إعادة شعبية النظام الشيوعي، ففاز شافيز في فنزويلا والتي تعد هي الأخرى من أكبر الدول النفطية في العالم. كان الفنزويليون على أمل أن يقوم شافيز بوعده بإعادة محاسبة شركات النفط الأجنبية والتي كانت قد وقعت عقود عملها منذ فترة من الزمن بطريقة يرى فيها المواطن الفنزويلي بأنه قد خُدِع، حيث أن الرابح الأكبر هو الشركة الأجنبية.

لا ينادي ستيغلتز بضرورة بقاء الشركات النفطية في أيدي الحكومة إلى الأبد، بل يطالب بضرورة تهيئة البيئة المناسبة للخصخصة أولاً، وذلك من خلال تقوية المؤسسات الحكومية وزيادة كفاءة عملها، فلو كانت هذه الخطوة سابقة للخصخصة في روسيا لكان بالإمكان إقامة مزادات نزيهة وعادلة للجميع وإعلان الأسعار بشفافية للشعب. ولكن وفي نفس الوقت، يرى ستيغلتز بأنه لو طورت الحكومة مؤسساتها وأصبحت على قدرٍ كافٍٍ من الكفاءة، فبإمكانها إدارة مواردها النفطية بنفسها عن طريق شركة حكومية دون الحاجة للخصخصة أو مشاركة الشركات الأجنبية. وهذا بالفعل ما حصل في النرويج وماليزيا، حيث تقوم الحكومة بإدارة واستخراج النفط دون شركاء. وحصل أيضاً في تشيلي التي تقوم باستخراج النحاس عن طريق شركة مملوكة بالكامل للحكومة. الميزة الحقيقية في ذلك، هي أن تبقى منافع الموارد الطبيعية داخل الدولة دون الحاجة لمشاركة الأرباح مع الشركات العالمية التي تبحث عن الربح وتحويل الأرباح للخارج. كما أن الدولة بذلك تكون المسؤولة عن تعليم وتدريب المواطنين كيفية استخراج مواردهم النفطية وإداراتها بأنفسهم دون الحاجة إلى الخبير الأجنبي الذي لن ينقل الخبرة طالما كان موجوداً لاستلام نسبة من أرباح الاستخراج، وليس مضطراً أن ينقل خبرته لأبناء البلد التي يحصل منها على دخله.

يتوارد إلى الذهن نموذج شركة أرامكو، نجد أن ما حصل مع أرامكو قد جمع بين الفائدتين: فقد بدأت أرامكو على يد شركة أمريكية، ولكن هدف الحكومة السعودية منها لم يكن إبقاؤهم إلى الأبد، بل كان ومنذ تأسيسها تعليم وتدريب أبناء الوطن على استخراج وإدارة الشركة. وبالفعل نرى أن الحكومة السعودية استحوذت على الشركة بالكامل عندما ارتأت بأنها قادرة على إدارة مواردها بنفسها، وحصل ذلك دون أي ضغوطات خارجية. فبدأت منذ الستينات بتدريب وتعليم السعوديين على العلوم النفطية من خلال إنشاء كلية البترول والمعادن في عام ١٩٦٣م، والتي تطورت لاحقاً لتصبح جامعة الملك فهد للبترول والمعادن. ومن ثم قامت الحكومة بتملك الشركة بالكامل في الثمانينات الميلادية، وأصبح معظم طاقم الشركة من السعوديين المدربين، حيث بلغت نسبة السعودة بنهاية الثمانينات أكثر من ٧٠ بالمئة، وهي نسبة لم تصل إليها بعد بعض الشركات الوطنية في الوقت الحالي حتى مع زيادة الحاجة للسعودة.

قد نقول أن ما حصل في روسيا وغيرها بعيد جداً عن عالمنا، فروسيا لها تاريخ اشتراكي ومرت بالكثير من المشاكل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، كما أنها دولة بنت لنفسها قاعدة شبه متنوعة في الصناعة والزراعة. كل هذا صحيح، ولكن تجمعنا مع روسيا خاصية فريدة جداً، ألا وهي أن الصادرات النفطية تشكل جزءاً كبيراً من إجمالي صادرات الدولتين، مما يجعل أهدافنا التنموية تقريباً متشابهة وهي محاولة تنويع الاقتصاد وعدم الاعتماد على مورد النفط الناضب. يجب ألا ننسى أن الهدف الحقيقي من الخصخصة، كما يتضح، هو أن يلمس المواطن العادي فائدة حقيقية، سواءً من ناحية تحسن الخدمات أو انخفاض الأسعار، وليس اتباع نصائح وتوصيات قد تكون بعيدة عن عالمنا..

يؤكد ستيغلتز بأن التأني هو المفتاح، بناء الشركات الحكومية وتهيئتها بالكامل دون الاستعجال في ذلك عامل مهم في نجاح الخصخصة. أما لو كانت الحكومة تديرها بالكفاءة المطلوبة وفي نفس الوقت تشرك مواطنيها في التدريب والفائدة، فالخصخصة قد لا تكون الحل المثالي دائماً.