مقال اليوم هو ختام الحديث من خلال سلسلة مقالات تناولت ثورة الطاقة في الولايات المتحدة، ففي المقالين السابقين أمريكا والمركز الأول و أمريكا بين الاكتفاء الذاتي واستيراد النفطدار الحديث عن النفط الصخري وتم ذكر عدد من الحقائق والاستنتاجات، أهمها أن عملية استخراج النفط الصخري مكلفة مادياً وضارة بيئياً، وبناءً عليه إذا ما انخفضت اسعار النفط التقليدي العالمية إلى ما دون ٦٠$ للبرميل قد تؤدي إلى وقف إنتاجه، ولكن الكثير من الدلالات تشير إلى سرعة تطور التكنولوجيا التي قد تؤدي إلى انخفاض التكلفة وانخفاض الآثار البيئية السلبية في المستقبل القريب. ثانياً، زادت الولايات المتحدة من انتاجها النفطي في آخر عامين بما يعادل إنتاج ليبيا النفطي بمقدار ١.٣ مليون برميل يومياً ليصل إلى 7 مليون برميل يومياً. ولكن الملاحظ كان أن الولايات المتحدة استمرت باستيراد النفط من الشرق الأوسط ولم تحقق الاكتفاء الذاتي بعد بالرغم من هذه المستويات المرتفعة من الإنتاج وأشرت في المقال الثاني أن سبب ذلك يعود إلى نقص في خطوط أنابيب نقل النفط من الولايات المنتجة إلى بقية الولايات، والسبب الثاني هو أن جزءاً كبيراً من مصافي البترول الأمريكية صمم للتعاطي مع نفط الشرق الأوسط ذي الخصائص المختلفة. فماذا استفادت   الولايات المتحدة من هذه الثورة ؟ النقاط التالية توضح أهم الفوائد:

أولاً : يبين الرسم أدناه نمو تصدير الولايات المتحدة للنفط خلال السنوات العشر الماضية – علماً بأن الولايات المتحدة لا تزال تطبق حظر تصدير النفط بكميات تجارية كبيرة، فقد ارتفع حجم الصادرات النفطية من ١٠ آلاف برميل يومياً عام ٢٠٠٢ الى حوالي ٦٠ ألف برميل يومياً عام ٢٠١٢، وهو ما يعادل نمواً بمقدار ٦٠٠٪ خلال عشر سنوات فقط. بالرغم من انخفاض حجم الكمية المصدرة، إلا أن المستغرب هو تصديرها، فلماذا لم تحتفظ الولايات المتحدة بهذا الإنتاج لنفسها بدلاً من تصديره؟ أظهرت البيانات أن الولايات المتحدة تقوم بتصدير هذا النفط للدول الأوروبية التي بات فيها القطاع الصناعي أكثر استعداداً لتقبل النفط الصخري بتكوينته الخفيفة بينما استمرت هي باستيراد نفط الشرق الأوسط. وبذلك تكون حسنت الولايات المتحدة عجز الميزان التجاري، فقد أظهرت البيانات أن عجز الميزان التجاري في ديسمبر وصل لأقل مستوى له في ثلاث سنوات حيث انخفض بنسبة ٢١٪ ليصل إلى حوالي ٣٩ بليون دولار، مستفيداً من ارتفاع الصادرات النفطية. وبذلك تكون الولايات المتحدة اقتربت من تحقيق تحسن كبير لم تستطع تحقيقه في مفاوضاتها الطويلة مع الصين التي أدت التجارة معها إلى زيادة عجز الميزان التجاري الأمريكي للأعوام العشر الماضية، وذلك بسبب زيادة اعتماد الأمريكيين على الاستيراد من الصين ذات البضائع الرخيصة.

الصادرات النفطية

ثانياًكانت بداية ثورة الطاقة في الولايات المتحدة من خلال اكتشاف طريقة تجعل أمر اكتشاف الغاز الصخري أقلتكلفة وأقل ضرراً بالبيئة (التكسير الهيدروليكي)، ومن ثم انتقل استخدامها إلى استخراج النفط الصخري. وقد نجحت الولايات المتحدة بالفعل في استخراج كميات هائلة من الغاز جعلها المنتج الأول للغاز عالمياً، كما أدى إلى انخفاض أسعار الغاز محلياً بشكل كبير (حسب الشكل أدناه) فأصبحت ثاني أرخص دولة صناعية لسعر الغاز بعد كندا حسب وكالة معلومات الطاقة الأمريكية. وهو ما أدى إلى انخفاض تكاليف الكهرباء، فأصبح المصنع الأمريكي يدفع ثلث ما يدفعه المصنع الألماني ثمناً لفاتورة الكهرباء، مما يعد مستوى قياسياً لم تصل له الولايات المتحدة منذ عام ١٩٩٩م. فعلى سبيل المثال، قامت شركة جنرال إلكتريكبنقل بعض مصانعها من الصين والمكسيك إلى ولاية كنتكي الأمريكية للاستفادة من ميزات الطاقة الرخيصة. ليست المصانع المستفيد الوحيد فحسب، وإنما بدأ قطاع النقل الأمريكي بالانتقال التدريجي نحو الغاز بدلاً من السوائل النفطية، فقد بدأت بعض شركات النقل بالشاحنات والقطارات باستبدال الديزل بالغاز، حيث أعلنت شركة النقل الأمريكية ويست مانجمنتبأن ٨٠٪ من الشاحنات التي اشترتها للسنوات الخمس المقبلة تعتمد على الغاز بدلاً من الديزل. بالإضافة إلى ذلك، انتقل الاهتمام بالغاز الصخري إلى الشرق الأوسط ودول الخليج والصين، وأعلنت قطر مؤخراً عن اكتشافات جديدة لتصبح ثالث أكبر احتياطي بالعالم بعد روسيا وإيران. بينما تحتل المملكة المركز السادس، وتحاول أرامكو التنقيب عن مكامن جديدة لاحتياطيات الغاز الصخري في المملكة، ولكن المشكلة .الأساسية التي تواجهها المملكة هي شح المياه، حيث أن التكسير الهيدروليكي يحتاج لكميات كبيرة من المياه لإتمامه

الغاز الصخري

ثالثاً : تظهر البيانات أن الطفرة الصخريةفي الولايات المتحدة قد أضافت أكثر من ١.٧ مليون وظيفة للاقتصاد الأمريكي خلال السنوات العشر الماضية، ويوضح الشكل أدناه أن النمو في وظائف قطاع النفط والغاز قد تجاوز معدل النمو في الوظائف بشكل عام، حيث يظهر ذلك بشكل واضح منذ عام ٢٠٠٦. وبغض النظر عن عامي ٢٠٠٩ و ٢٠١٠ التي عقبت الأزمة المالية، فإن بقية الأعوام تظهر أن معدل النمو في وظائف قطاع النفط والغاز بلغت حوالي ٨١٠٪ سنوياً، بينما لم يتجاوز معدل نمو الوظائف ككل ٢٪ سنوياً في ظل محاولات ملحة من الحكومة الأمريكية لرفع نسبة التوظيف من خلال برامج التحفيز النقدية منذ استلم أوباما الرئاسة عام ٢٠٠٩م، حيث تشكل البطالة أهم التحديات أمام الرئيس بعد الكساد الذي أعقب الأزمة المالية. وبذلك يكون قطاع النفط والغاز قد دعم الاقتصاد الكلي الأمريكي مؤخراً سواءً عن طريق خلق الوظائف الجديدة أو من خلال حجم الاستثمارات في هذا القطاع والتي تقدرها شركة “آي اتش اس”  للاستشارات الاقتصادية ب ٢٣٨ بليون دولار، سواءً من مستثمرين محليين عبارة عن شركات نفطية صغيرة الحجم أو من شركات نفطية عالمية تتجه لتوسيع أعمالها في الولايات المتحدة، خاصةً بعد أن توقع الخبراء تطوير آلية الإنتاج لتكون أقل تكلفة وأقل ضرراً بالبيئة في المستقبل القريب.

نمو الوظائف

وأخيراً، فقد وقع الرئيس اوباما خلال الأسبوع الماضي على خطة تدعم البحث العلمي في الولايات المتحدة ب ٢ بليون دولار لإيجاد بدائل للنفط المستورد وتعزيز البحث في مصادر الطاقة البديلة، وتحسين طرق استخراج الطاقة بيئياً، ويقترح أوباما بأن يتم تمويل هذه الخطة من إيرادات النفط والغاز المتزايدة حديثاً. يتضح لنا أن الولايات المتحدة تسير قدماً نحو هدفها لتحقيق الاستقلال الذاتي بشتى الطرق التقليدية والحديثة، وحتى وإن لم يتحقق لها ذلك، فإن مجرد سعيها نحو الاستقلال كفيل بأن يحدث تغييراً في خارطة الطاقة العالمية، وهو الأمر الذي يحثنا نحو السعي الجاد لإيجاد خطة تنموية مناسبة للتعامل مع تلك التغيرات الهامة.

مصادر البيانات المستخدمة :

وكالة معلومات الطاقة الأمريكية : Energy Information Administration

مكتب إحصاءات العمل الأمريكي : Bureau of Labour Statistics