هل صدقت تهديدات أمريكا وأتى الوقت الذي يتوقف فيه اعتمادها على نفط الشرق الأوسط؟ هل يتحول أكبر مستهلك للنفط إلى أكبر مصدر له بهذه السهولة؟

ليس أمراً مستحيلاً كما كنا نتخيل، فحسب تقرير حديث مثير للجدل من وكالة الطاقة العالمية توقع فيه المحللون أن تتخطى أمريكا المملكة العربية السعودية كأكبر منتج للنفط في العالم بحلول عام ٢٠١٧م وأن الإنتاج الأمريكي سيتحول للتصدير عام ٢٠٣٥م وذلك اعتماداً على مخزون وإنتاج النفط الصخري

Shale-Oil-Legislation-1-537x392

جبال الروكي في وسط أمريكا

(Shale Oil) ما هو النفط الصخري؟

النفط الصخري عبارة عن نوع من الوقود يتم استخراجه من التكوينات الصخرية سواء تحت سطح الأرض أو فوقها أو من الجبال ومنها جبال الروكي المتواجدة في وسط أمريكا تحديداً ولايتي كولورادو وداكوتا الشمالية بطريقة مكلفة جداً إذا ما قمنا بمقارنتها باستخراج البترول. كما في الشكل أدناه، نستطيع أن نرى أن استخراج البترول يكون بشكل مباشر من الحقل عن طريق الحفر

استخراج البترول

*عملية استخراج البترول

 : أماالنفط الصخري فيتطلب إجراءات أكثر تعقيداً وتكلفة يمكن تلخيصها بالشكل التالي

١القيام بتكسير التكوينات الصخرية للحصول على الكميات المناسبة من الصخور التي تحتوي على النفط الصخري

٢تفتيت تلك الصخور بمعدات خاصة

٣تعريض الصخور المفتتة لدرجة عالية من الحرارة (٥٠٠ درجة مئوية) بمعزل عن الأوكسجين

٤تصفية النفط الناتج من العملية السابقة بنفس الطريقة المتبعة للزيت الخام

لهذا السبب، يتبين لنا أن تكلفة استخراج النفط الصخري أكبر بكثير من استخراج النفط العادي الذي يستخرج مباشرة من الأرض 

إذن كيف ستكون أمريكا قادرة على الاستمرار في هذه العملية المكلفة؟ ولماذا الآن ؟

الجواب واحد على السؤالين. لم يكن إنتاج النفط الصخري مجدياً من الناحية الاقتصادية عندما كانت أسعار النفط منخفضة، فلو كانت التكلفة هي المعيار، فإن استيراد النفط من الشرق الأوسط بسعر منخفض أفضل اقتصادياً. ولكن ما حصل خلال السنوات الماضية من ارتفاع في أسعار النفط إلى مستويات تاريخية جعل تكلفة استخراج النفط الصخري تبدو أرخص نسبياً، هذا بالإضافة إلى الهدف الوطني الأمريكي لكل الرؤساء المنتخبين بأن يقللوا من اعتماد بلادهم على نفط الشرق الأوسط، والذي بدأه الرئيس نكسون عام ١٩٧٣م عقب وقف الدول العربية تصدير النفط لأمريكا

  وبالرغم من كل هذا إلا أنه يوجد عدد من العوائق أمام هذا الحلم الأمريكي

١الأثر البيئي السيء على المناطق التي يتم فيها تكسير الصخور. فحسب تقرير لوكالة حماية البيئة الأمريكية فإن هناك احتمال كبير جداً بأن المواد الكيميائية المستخدمة لتسهيل عملية تكسير التكوينات الصخرية لها أثر سلبي على ينابيع مياه الشرب المتواجدة حولها، وأعلنت الوكالة بأنها ستقوم بأبحاث مكثفة لدراسة هذا الموضوع تصدر نتائجها عام ٢٠١٤م بناءً على تلك التنبؤات والدراسات الأولية فقد قامت بعض الولايات بمنع عمليات استخراج النفط الصخري فيها. هذا بالإضافة إلى الآثار السيئة على الهواء في مناطق الاستخراج، مما سيسبب اعتراضات من سكان المناطق المجاورة

٢ارتفاع تكلفة الاستخراج : حسب التوضيح السابق ندرك سبب ارتفاع تكاليف الاستخراج، ولكن يتوقع بعض المحللين أن ذلك لن يدوم طويلاً، فقد أثبتت الدراسات أن الخبرة والممارسة ستولد طرقاً أكثر فعالية وأقل تكلفة في المستقبل القريب خاصةً أن شركات النفط العملاقة لم تكن من المهتمين باستخراج النفط الصخري في السابق، وكان ذلك محصوراً على شركات محلية صغيرة الحجم. ولكن لوحظ مؤخراً اتجاه الشركات العملاقة لحقول النفط الصخري مثل اكسون موبيل وشفرون و رويال دوتش شل والتي تمتلك سيولة أعلى وتستخدم طرقاً مطورة في الاستخراج أكثر كفاءة وأقل تكلفة

أصبح الخيار متاحاً أمام الولايات المتحدة الآن : فلو انخفضت أسعار البترول ستكون راضية ولكنها قد تتوقف عن إنتاج النفط الصخري لارتفاع تكلفة إنتاجه نسبياً. أما لو بقيت أسعار البترول مرتفعة سيكون ذلك حافزاً أكبر لها بالاستمرار في عمليات إنتاج النفط الصخري والاكتفاء ذاتياً كما أشار تقرير وكالة الطالقة العالمية. وبطبيعة الحال، هناك العديد من العوامل التي حافظت على ارتفاع أسعار البترول أهمها حالياً العوامل الجيوسياسية خاصةً مع أحداث الربيع العربي والتوتر القادم من إيران

ما هو موقف المملكة ؟

أكد باحثون أنه في حال وصول سعر البترول إلى ٦٠ دولاراً للبرميل فإن ذلك كاف لوقف عملية استخراج النفط الصخري في الولايات المتحدة وكندا. ويزعمون أن وصول سعر النفط لهذا المستوى المنخفض (نزولاً مما يقارب ١١٠$ حالياً) يكمن في يد المملكة العربية السعودية، كأكبر منتج للنفط وصاحبة أعلى احتياطي نفطي في العالم، وذلك عن طريق زيادة إنتاجها فتؤدي زيادة المعروض إلى انخفاض السعر

السؤال الحقيقي .. ماذا تفضل المملكة ؟

ارتبطت المملكة بالعديد من مشاريع الإنفاق الداخلي والتي حتماً ستتأثر فيما لو انخفضت أسعار النفط إلى مستوى ٦٠$. لذلك رأت المملكة توثيق علاقاتها مع دول شرق آسيا – الصين والهند – والتي تتسارع فيها معدلات النمو الاقتصادي، فبالرغم من كون الولايات المتحدة أكبر دولة تصدر لها المملكة، (بقيمة ١٨٨ بليون ريال لعام ٢٠١١)، إلا أن الصين تحتل المركز الثالث بقيمة مقاربة من الصادرات النفطية. بالإضافة إلى ذلك ولكي تحمي المملكة نفسها تجاه هذه التوجهات، نجدها أكدت على استثمارها في مصادر الطاقة المتجددة وراهنت على  مستقبلها، فقد أعلنت حديثاً نيتها تصدير الطاقة الشمسية لمصر والدول الأوروبية، وأنها تنوي استثمار ما يزيد عن ١٠٠ بليون دولار في هذا المجال الواعد

Saudi-Arabia

يراهن العديد من المحللين بأن النفط الصخري ليس سوى تضخيم لمصدر محدود للطاقة، وأن ذلك لن يدوم طويلاً مثل ما حدث مسبقاً من اكتشافات بديلة للبترول كان مصيرها الفشل. وفي نفس الوقت يرى بعضهم أن العامل الوحيد الذي سيؤثر على صناعة البترول هو حدوث ثورة في عالم المواصلات في الولايات المتحدة بحيث يتوقف اعتمادهم على البترول بشكل نهائي، وطالما بقي ذلك بعيد المنال فلن تتأثر الاحتياطيات النفطية بشيء. أما الأمر الحتمي فهو أن العالم بالفعل بات قريباً من إيجاد بدائل مناسبة للبترول. ما أغفله تقرير وكالة الطاقة الدولية – أو ما لم ندركه إلى الآن هو أن الولايات المتحدة أصبحت قريبة من الاكتفاء ذاتياً ولكن بإنتاج شكل آخر من الطاقة وهو الغاز الصخري، حيث بدأ أصحاب الشاحنات بالاعتماد فعلياً على الغاز كوقود بدلاً من النفط.  الغاز الصخري أحدث ثورة في عالم الطاقة لأن تكلفة إنتاجه قد قُلصت بشكل كبير وناجح، ومن المتوقع أن يضع بصمته في عالم الطاقة قريباً. سنتحدث عن ثورة الغاز الصخري في مقال منفصل قريباً

أمام كل هذا .. لعلنا ندرك بأن الفائدة الحقيقية هي تنويع اقتصادنا المحلي لنقلل نحن اعتمادنا على النفط، قبل أن يفعل ذلك الآخرون

: الرسومات التوضيحية من موقع*

  http://www.green-planet-solar-energy.com